محمد بن جرير الطبري

125

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ثاره ممن بغى عليه وعلى أهل دينه فلما قدم دوس ذو ثعلبان بكتاب قيصر على النجاشي صاحب الحبشة بعث معه سبعين ألفا من الحبشة وامر عليهم رجلا منهم من أهل الحبشة ، يقال له ارياط ، وعهد اليه : ان أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم ، وأخرب ثلث بلادهم ، وأسب ثلث نسائهم وأبنائهم . فخرج ارياط ومعه جنوده ، وفي جنوده أبرهة الأشرم ، فركب البحر ومعه دوس ذو ثعلبان ، حتى نزلوا بساحل اليمن ، وسمع بهم ذو نواس فجمع اليه حمير ومن أطاعه من قبائل اليمن ، فاجتمعوا اليه على اختلاف وتفرق ، لانقطاع المدة وحلول البلاء والنقمه ، فلم يكن له حرب غير أنه ناوش ذو نواس شيئا من قتال ، ثم انهزموا ، ودخلها ارياط بجموعه ، فلما رأى ذو نواس ما رأى مما نزل به وبقومه وجه فرسه إلى البحر ، ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضحضاح البحر ، حتى افضى به إلى غمره ، فاقحمه فيه ، فكان آخر العهد به . ووطيء ارياط اليمن بالحبشة ، فقتل ثلث رجالها ، وأخرب ثلث بلادها ، وبعث إلى النجاشي بثلث سباياها ثم أقام بها ، قد ضبطها وأذلها ، فقال قائل من أهل اليمن ، وهو يذكر ما ساق إليهم دوس ذو ثعلبان من امر الحبشة ، فقال : لا كدوس ولا كاعلاق رحله يعنى ما ساق إليهم من الحبشة ، فهي مثل باليمن إلى اليوم . وقال ذو جدن الحميري وهو يذكر حمير ، وما دخل عليها من الذل بعد العز الذي كانوا فيه ، وما هدم من حصون اليمن ، وكان ارياط قد أخرب مع ما أخرب من ارض اليمن سلحين وبينون وغمدان ، حصونا لم يكن في الناس مثلها ، فقال : هونك ليس يرد الدمع ما فاتا * لا تهلكى أسفا في ذكر من ماتا ابعد بينون لا عين ولا اثر * وبعد سلحين يبنى الناس أبياتا ! وقال ذو جدن الحميري في ذلك : دعيني لا أبالك لن تطيقى * لحاك الله قد انزفت ريقى